مجمع البحوث الاسلامية
794
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والحقّ أنّ هذه من مبهمات القرآن ، ولا يجوز الكلام في المبهمات إلّا بآية محكمة ، أو رواية ثابتة ، مع أنّه لا داعي للخوض فيما سكت عنه اللّه تعالى . 3 - قال القرطبيّ : « اختلف النّاس في الكفّار ، هل عليهم حفظة أم لا ؟ فقال بعضهم : لا ، لأنّ أمرهم ظاهر وعملهم واحد ، قال اللّه تعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ الرّحمن : 41 ، وقيل : بل عليهم حفظة ، لقوله تعالى : كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ الانفطار : 9 - 12 » . ب - ( 10 ) : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً وفيها بحوث : 1 - قال ابن عبّاس : « حفظة من الملائكة ، ملكين بالنّهار وملكين باللّيل ، يكتبون حسناتكم وسيّئاتكم » . وقال السّدّيّ : « هي المعقّبات من الملائكة ، يحفظونه ويحفظون عمله » . وقال الآلوسيّ : « قيل : المراد ما يشمل الصّنفين » . وقال الماورديّ في أحد قوليه : « جوارحهم الّتي تشهد عليهم بما كانوا يعملون » . ويرفضه قوله : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ فإنّه يقتضي أنّ « الحفظة » يكونون من خارج أجسامهم . 2 - قال الزّمخشريّ : « فإن قلت : اللّه تعالى غنيّ بعلمه عن كتبة الملائكة ، فما فائدتها ؟ قلت : فيها لطف للعباد ، لأنّهم إذا علموا أنّ اللّه رقيب عليهم ، والملائكة الّذين هم أشرف خلقه موكّلون بهم ، يحفظون عليهم أعمالهم ، ويكتبونها في صحائف ، تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة ، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد من السّوء » . وأضاف الفخر الرّازيّ إلى هذا الوجه وجهين آخرين ، فقال : « الثّاني : يحتمل في الكتابة أن تكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصّحائف يوم القيامة ، لأنّ وزن الأعمال غير ممكن ، أمّا وزن الصّحائف فممكن . الثّالث : يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد ، ويجب علينا الإيمان بكلّ ما ورد به الشّرع ، سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل » . والحقّ - كما سبق - أنّه المخلص في جميع ما سكت اللّه عن بيانه إلّا بحجّة . 3 - قال الطّباطبائيّ : « إطلاق إرسال الحفظة من غير تقييد لا في الإرسال ولا في الحفظة ، ثمّ جعله مغيّا بمجيء الموت ، لا يخلو عن دلالة على أنّ هؤلاء الحفظة المرسلين شأنهم حفظ الإنسان من كلّ بليّة تتوجّه إليه ، ومصيبة تتوخّاه ، وآفة تقصده ، فإنّ النّشأة الّتي نحن فيها نشأة التّفاعل والتّزاحم ، ما فيه من شيء إلّا وهو مبتلى بمزاحمة غيره من شيء من جميع الجهات ، لأنّ كلّا من أجزاء هذا العالم الطّبيعيّ بصدد الاستكمال واستزادة سهمه من الوجود ، ولا يزيد في شيء إلّا وينقص بنسبته من غيره ، فالأشياء دائما في حال التّنازع والتّغلّب ، ومن أجزائه الإنسان الّذي تركيب وجوده ألطف التّراكيب الموجودة فيه وأدقّها فيما نعلم ، فرقباؤه في الوجود أكثر ، وأعداؤه في الحياة أخطر . فأرسل اللّه إليه من الملائكة حفظة ، تحفظه من طوارق الحدثان وعوادي البلايا والمصائب ، ولا يزالون يحفظونه من الهلاك ، حتّى إذا جاء أجله خلّوا بينه وبين البليّة ، فأهلكته على ما في الرّوايات » . ويؤيّده الحديث عن النّجاة من ظلمات البرّ والبحر ،